أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

168

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والثاني : أنها عاطفة على محذوف . قال الواحدي : « دخلت الفاء للعطف على ما دل عليه أو الكلام ، كأنه قيل : كونوا على الهدى فكلوا » . والظاهر أنها عاطفة على ما تقدم من مضمون الجمل المتقدمة ، كأنه قيل : اتّبعوا ما أمركم اللّه من أكل المذكي دون الميتة فكلوا . قوله : وَما لَكُمْ . مبتدأ وخبر . وقوله : أَلَّا تَأْكُلُوا فيه قولان : أحدهما : هو على حذف حرف الجر ، أي : أيّ شيء استقر في منع الأكل مما ذكر اسم اللّه عليه ، وهو قول أبي إسحاق الزجاج فلما حذفت « في » جرى القولان المشهوران . ولم يذكر الزمخشري غير هذا الوجه . والثاني : أنها في محل نصب على الحال ، والتقدير : وأيّ شيء لكم تاركين للأكل ؟ ويؤيد ذلك وقوع الحال الصريحة في مثل هذا التركيب كثيرا ، نحو : فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ « 1 » ، إلّا أن هذا مردود بوجهين : أحدهما : أن « أن » تخلص الفعل للاستقبال ، فكيف يقع ما بعدها حالا ؟ . والثاني : أنها مع ما بعدها مؤولة بالمصدر ، وهو أشبه بالمضمرات ، كما تقدم تحريره « 2 » ، والحال إنّما تكون نكرة . قال أبو البقاء : « إلّا أن تقدر حذف مضاف فيجوز ، أي : « وما لكم ذوي ألّا تأكلوا » . وفيه تكلف . ومفعول « تَأْكُلُوا » محذوف بقيت صفته ، تقديره : شيئا مما ذكر اسم اللّه ، ويجوز ألّا يراد مفعول ، بل المراد : وما لكم ألّا يقع منكم الأكل ، وتكون « من » لابتداء الغاية ، أي : ألّا تبتدئوا بالأكل من المذكور عليه اسم اللّه . وزعم أن « لا » مزيدة ، وهذا فاسد إذ لا معنى لزيادتها . قوله : وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ببنائهما للمفعول . ونافع وحفص عن عاصم ببنائهما للفاعل . وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ببناء الأول للفاعل ، وبناء الثاني للمفعول . ولم يأت عكس هذه . وقرأ عطية العوفي كقراءة الأخوين ، إلّا أنه خفف الصاد من « فَصَّلَ » . والقائم مقام الفاعل هو الموصول ، وعائده من قوله : « ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ » . والفاعل في قراءة من بني للفاعل ضمير اللّه تعالى ، والجملة في محل نصب على الحال . قوله : إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ فيه وجهان : أحدهما : أنه استثناء منقطع ، قاله ابن عطية ، والحوفي . والثاني : أنه استثناء متصل . قال أبو البقاء : « ما » في موضع نصب على الاستثناء من الجنس من طريق المعنى ، لأنه وبّخهم بترك الأكل مما سمي عليه ، وذلك يتضمن الإباحة مطلقا ، قلت : الأول أوضح ، والاتصال قلق المعنى . ثم قال : وقوله : وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ، أي : في حال الاختيار ، وذلك حلال حال الاضطرار » . قوله : « لَيُضِلُّونَ » قرأ الكوفيون بضم الياء وكذا التي في يونس : رَبَّنا لِيُضِلُّوا « 3 » ، والباقون بالفتح . وسيأتي لذلك نظائر في سورة إبراهيم وغيرها « 4 » . والقراءتان واضحتان ، فإنّه يقال : ضلّ في نفسه ، وأضلّ غيره ،

--> ( 1 ) سورة المدثر ، آية ( 49 ) . ( 2 ) سورة الأنعام ، آية ( 23 ) . ( 3 ) سورة يونس ، آية ( 88 ) . ( 4 ) انظر سورة الحج ، آية ( 9 ) ، سورة الزمر ، آية ( 8 ) ، سورة إبراهيم ، آية ( 30 ) .